محمد غازي عرابي

13

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ البقرة : 30 ] الملائكة صاحبة المعقولات في حال الطي ، والأصل صفته الخير كما قال أفلوطين ، وبنشر المعقولات خرج الأذلان التابعان لاسمه المزدوج الرافع الخافض ، ومن جانب الخفض انتشر الشر وسفكت الدماء ، والظاهر ، كما قالت الملائكة ، شر ، والباطن فتق الطي ، ولهذا كان جواب الحق سبحانه إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 31 إلى 33 ] وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 ) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 33 ) [ البقرة : 31 ، 33 ] آدم الجمعية الأسمائية في حالي الطي والنشر ، فلهذا جمع لهذا المخلوق النوعي ، والمخلوق على صورة الرحمن ، ما لم يجمع لأي مخلوق نوعي آخر في حال الطي ، إذ أن خروج المعقولات من القوة إلى الفعل يعني تفتق قوى الأسماء ، فالأسماء ذاتية ، مرتقة ، لا حول لها ولا قوة ، وآدم مفتقها ومخرجها من الطي إلى النشر ، والمعقول ما لم يفتق لا دور له ولا حكم بل ولا وجود فهو والعدم سيان ، فقولك أنا كريم ، دون أن يتعدى قولك إلى فعلك لا معنى له ، ولهذا تجد الناس إذا سمعوا المدعي يدعى ترجحوا بين الشك واليقين ، أما إذا رأوا فعله زال الشك وبقي اليقين . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 34 ] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 ) [ البقرة : 34 ] إبليس شق من الاسم المزدوج ، فله الخفض ، فهو الحجاب المسدل بين الحق والخلق . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 35 إلى 36 ] وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 36 ) [ البقرة : 35 ، 36 ] في حديث للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن الشجرة الحنطة ، والحنطة رمز الحياة ، والحياة العالم الحي ، أي العيان ، فالآية تضع آدم وزوجه بين العدم والوجود ، ولما كان سبحانه الحي القيوم ، كان آدم وزوجه في أحضان الألوهية ، أي في الجنة ، ومفارقة الألوهية هي الحجاب الذي أسدله إبليس بين آدم وزوجه من جهة وبين اللّه من جهة أخرى ، فالنفي إبعاد ، والإبعاد لحكمة ، لأنه من غير الإبعاد لا تقريب ، وبالتالي لا علم ، والقصد من خلق ابن آدم التعلم ومعرفة اللّه .